ابن عطاء الله السكندري

23

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

قلت : البحث هو التفتيش ، يقال : بحث عن كذا : فحص عنه ، وبحث في الأرض أخرج ترابها ، والتحقيق : إدراك الشيء من أصله ، والحقيقة : ذات الشيء وأصله ، وحقيقة الإنسان : ماهيته ومادته . وأما في اصطلاح الصوفية فهي : كشف رداء الصون عن مظهر الكون ، فيفنى من لم يكن ، ويبقى من لم يزل ، وهي عندهم نتيجة التصفية التي هي الطريقة ، والطريقة : هي نتيجة الشريعة ، فالشريعة هي إصلاح الجوارح الظاهرة ، وهي تدفع إلى الطريقة التي هي إصلاح الأسرار الباطنة ، وهي تدفع إلى الحقيقة التي هي كشف الحجاب ومشاهدة الأحباب من داخل الحجاب » . ثم يتابع الشيخ أحمد بن عجيبة حديثه عن التصوف قائلا : « وطريقة الصوفية هي بحث وتفتيش عن تحقيق الحقيقة وإدراكها : ذوقا وحالا » . ثم يشرح ذلك بقوله : « واعلم أن اللّه جلّ جلاله واحد في ملكه ، لا شريك معه ولا ضد له ولا ند له ، كان ولا شيء معه ، وهو الآن على ما كان عليه ، كان في أزل أزليته لطيفا خفيا ، حكيما قديرا لطيفا لا يدرك ، خفيا لا يعرف ، قائما بذاته ، متصفا بمعاني أسمائه وصفاته ، فأراد سبحانه أن يعرف بذاته ، وأن يظهر أثر أسمائه وصفاته ، فأظهر قبضة من نوره اللطيف ، فتكثفت بقدرته ليتهيأ بها التعريف ، ثم تنوعت على عدد أسمائه وصفاته ، فلما ظهرت تلك القبضة النورية تجلّى فيها باسمه الباطن ، فبطنت في ظهورها ، وكمنت في مظاهرها ، فالأشياء كلها مظاهر للحق ، لكن لا بد للحسناء من نقاب ، وللشمس من سحاب ، فنسجت تلك الخمرة اللطيفة الأزلية بقدرتها رداء ، واكتست بحكمتها إزارا ، فقالت : « العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما قصمته » ثم اختلفت تلك الحكمة في نسجها وغزلها ، فمنها ما رق غزله ولطف نسجه ، فكان فيه النور قريبا من الظهور ، ومنه ما غلظ غزله وكثف نسجه ، فخفي النور لأجل غلظ الستور ، ثم إن الذي رق غزله ولطف نسجه منه ما هو نور محض ، وهم الملائكة ، ومنه ما هو نور وظلمة وهم بنو آدم . ومنه ما هو نور وظلمة وغلب عليه ظهور الظلمة ، وهي الجمادات وما لا يعقل من الحيوانات ، ونعني بالنور المعنى ، وبالظلمة الحس ، فالكون كله باطنه نور وظاهره ظلمة ، باطنه قدرة وظاهره حكمة ، باطنه لطيف وظاهره كثيف ، وإليه أشار صاحب العينية ( أي الشيخ عبد الكريم الجيلي ) بقوله : وما الكون في التمثال إلا كثلجة * وأنت لها الماء الذي هو نابع